أحمد بن يوسف الحلبي ( السمين الحلبي )

305

الدر المصون في علوم الكتاب المكنون

[ سورة البقرة ( 2 ) : الآيات 92 إلى 95 ] وَلَقَدْ جاءَكُمْ مُوسى بِالْبَيِّناتِ ثُمَّ اتَّخَذْتُمُ الْعِجْلَ مِنْ بَعْدِهِ وَأَنْتُمْ ظالِمُونَ ( 92 ) وَإِذْ أَخَذْنا مِيثاقَكُمْ وَرَفَعْنا فَوْقَكُمُ الطُّورَ خُذُوا ما آتَيْناكُمْ بِقُوَّةٍ وَاسْمَعُوا قالُوا سَمِعْنا وَعَصَيْنا وَأُشْرِبُوا فِي قُلُوبِهِمُ الْعِجْلَ بِكُفْرِهِمْ قُلْ بِئْسَما يَأْمُرُكُمْ بِهِ إِيمانُكُمْ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ ( 93 ) قُلْ إِنْ كانَتْ لَكُمُ الدَّارُ الْآخِرَةُ عِنْدَ اللَّهِ خالِصَةً مِنْ دُونِ النَّاسِ فَتَمَنَّوُا الْمَوْتَ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ ( 94 ) وَلَنْ يَتَمَنَّوْهُ أَبَداً بِما قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالظَّالِمِينَ ( 95 ) قوله تعالى : بِالْبَيِّناتِ : يجوز فيه وجهان : أحدهما أن يكون حالا من « موسى » أي : جاءكم ذا بينات وحجج أو ومعه البينات . والثاني : أن يكون مفعولا أي : بسبب إقامة البينات ، وما بعده من الجمل قد تقدم مثله فلا حاجة إلى تكريره . قوله تعالى : وَأُشْرِبُوا : يجوز أن يكون معطوفا على قوله : قالُوا سَمِعْنا ويجوز أن يكون حالا من فاعل « قالوا » أي : قالوا ذلك وقد أشربوا ولا بد من إضمار « قد » ليقرب الماضي إلى الحال خلافا للكوفيين حيث قالوا : لا يحتاج إليها . ويجوز أن يكون مستأنفا لمجرد الإخبار بذلك واستضعفه أبو البقاء قال : « لأنه قد قال بعد ذلك : قُلْ بِئْسَما يَأْمُرُكُمْ فهو جواب قولهم : سَمِعْنا وَعَصَيْنا فالأولى ألا يكون بينهما أجنبي » والواو في « أشربوا » هي المفعول الأول قامت مقام الفاعل ، والثاني هو « العجل » لأن - « شرب » يتعدى بنفسه فأكسبته الهمزة مفعولا آخر ، ولا بد من حذف مضافين قبل « العجل » والتقدير : وأشربوا حب عبادة العجل وحسن حذف هذين المضافين المبالغة في ذلك ، حتى كأنه تصور إشراب ذات العجل . والإشراب : مخالطة المائع بالجامد ثم اتسع فيه حتى قيل في الألوان نحو : أشرب بياضه حمرة . والمعنى : أنهم داخلهم حب عبادته كما داخل الصبغ الثوب . ومنه : 621 - إذا ما القلب أشرب حبّ شيء * فلا تأمل له الدّهر انصرافا « 1 » وعبر بالشرب دون الأكل لأن الشرب يتغلغل في باطن الشيء بخلاف الأكل فإنه مجاوز ، ومنه في المعنى : 622 - جرى حبّها مجرى دمي في مفاصلي * . . . « 2 » وقال بعضهم : 623 - تغلغل حبّ عثمة في فؤادي * فباديه مع الخافي يسير تغلغل حيث لم يبلغ شراب * ولا حزن ولم يبلغ سرور أكاد إذا ذكرت العهد منها * أطير لو أنّ إنسانا يطير « 3 »

--> ( 1 ) البيت من شواهد البحر ( 1 / 309 ) . ( 2 ) صدر بيت وعجزه : . . . * فأصبح لي عن كلّ شغل بها شغل انظر البحر ( 1 / 309 ) . ( 3 ) الأبيات لعبيد اللّه بن عبد اللّه بن عتبة انظر الحماسة ( 2 / 105 ) ، المحتسب ( 2 / 144 ) ، مجالس ثعلب ( 1 / 236 ) ، القرطبي ( 2 / 23 ) ، اللسان « معع » .